ايـمـان
12-04-2009, 12:13 PM
الحرب الأمريكيةعلى العراق.. عبروتداعيات
العميد الركن-
مطلق بن سالم الأزيمع
http://www.al-difaa.com/Images/al-difaa/132/p058_1_1.jpg
http://www.al-difaa.com/Images/al-difaa/132/p058_1_2.jpg
دارت رحى الحرب الثالثة مما سمي بحروب الخليج، وهي الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا على العراق، تلك الحروب التي جرت في فترة زمنية قياسية من عمر الأحداث وفي رقعة مكانية محدودة تحولت من حرب شبه منسية في فصلها الأول (حرب الخليج الأولى) إلى حرب استقطبت اهتمام العالم أجمع سياسياً وعسكرياً وإعلامياً في فصليها الثاني والثالث.
وهي إن كانت تبدو للوهلة الأولى تلقائية الأحداث وقدرية المواقف إلا أن المتمعن البصير في مشاهدها وسيناريوهات فصولها يخلص إلى أنها كتبت بإتقان وأخرجت بمهارة. وبالرغم من أن الحديث عنها ذو شجون سواء في الماضي أو الحاضر وربما في المستقبل إلا أن التوغل في مجاهل التحليل والاستغراق في فن التأويل والتهويل ليست في أكثر الأحوال إلا نكئاً للجروح وتجرعاً للمرارة ومن ذلك الإسهاب في البحث عن الأسباب والمسببات والتلذذ العربي بجلد الذات ثم الخروج بالسبع المعلقات على شماعة الأعداء المتربصين.
وسنتطرق في هذا العدد إلى بعض العبر التي يمكن أن تؤخذ من خلال نظرة تحليلية أولية لأحداث هذه الحرب على أن نؤجل ما يمكن قراءته من تداعياتها إلى عدد لاحق بإذن الله.
1. استخدمت الحرب النفسية في هذه المنازلة على نطاق واسع وبدأت قبل أن يبدأ القصف الجوي والمدفعي بوقت طويل وكانت الكفة لصالح الطرف المهاجم نظراً للآلة الإعلامية الضخمة التي يمتلكها والتميز الاحترافي.
لكن ما دار بين الطرفين من سجال في هذا المجال أوضح بجلاء أن استخدام هذا النوع من الأسلحة لا يخلو من بعض الأخطار التي قد تلحق الضرر بالمستخدم، فالمبالغة والتعجل كانتا سمتين بارزتين لكثير من الأنباء الرسمية التي صاحبت أحداث وفصول هذه الحرب ومن كلا الطرفين. فمصداقية الطرح على صعيد الحلفاء تضررت كثيراً بسبب الزعم المتكرر عن مقتل صدام حسين، ناهيك عن استسلام الفرقة (51) مشاة عراقية وانتفاضة البصرة والإعلان عن سقوط أم قصر لأكثر من ثلاث مرت متفاوتة.
ولم تكن المصداقية أفضل حالاً مع وزير الإعلام العراقي الذي أصبحت تصريحاته مثاراً لجدل عجيب اختلط بها التأييد والإعجاب والشفقة والسخرية.
2. وفي مجال الخداع الاستراتيجي ظن البعض منا خيراً بقدرة الأخوة العراقيين على الصمود أمام آلة الحرب الهائلة التي أرادت بهم سوءاً وأعدت لذلك كل مافي ترساناتها العسكرية التقليدية وطاقتها البشرية وقدراتها التخطيطية، ظننا خيراً بقدرة العراق أو على الأقل حفظ ماء الوجه حتى ولو كان ثم ذلك الماء الكثير من الدماء.
وفي اللحظة الأولى للحرب وما تلاها وقعت حادثتان كانتا ستظهران للعالم خداعاً عراقياً يستحق الوقوف أمامه والتأمل لولا تداعيات الأحداث اللاحقة ومارافقها من انتكاسات غطت على أي محاولة لإبراز الإيجابيات ودراستها.
أما الأولى فهي محاولة التأثير على ساعة (الصفر) وجر العدو إلى الدخول في الحرب في غير الساعة التي حددها وبالتالي القدرة على التأثير في مجرياتها تبعاً للتبعات المترتبة على التغيير المفاجئ لقرار البدء. وتحقق ذلك عبر إختلاق حالة تستدعي التصرف الفوري مثل إجراء الاجتماع المزعوم لرأس الهرم القيادي في العراق مع كبار القادة العسكريين قبل الحرب واتخاذ كافة الإجراءات الموحية بصدق وواقعية. بل وتسريب معلومات مضللة عنه إلى جهات استخبارية متعاونة مع العدو حتى إذا ما تم توجيه الضربة لهذا الهدف الخداعي فإن الفوائد ليس أقلها إرغام العدو على البدء في غير ساعة الصفر المحددة سلفاً وكذا فشله في تحقيق أهدافه المعلنة.. وبالفعل دخلت أمريكا الحرب في غير ساعة الصفر المحددة حتى إن البريطانيين فوجئوا بذلك ولم تحقق الضربة أي نتيجة تذكر.
وأما الثانية فهي التأثير على أحداث الحرب بما يقلل من تأثير عناصر قوتها التي تفقد بعض مميزاتها نتيجة الظرف الزماني والمكاني غير المناسب. فالقوات التي تدخل معركتها في غير المكان المرغوب لن تسير الأمور كما ترغب ولن تكون النتائج كما تحب، وكذا الحال عندما تكون التوقيتات اللاحقة لا تخدم فصولها القادمة. هذا هو ما ظهر للمراقب العسكري عندما اندفعت الفرق المدرعة وفرق المشاة الآلية الأمريكية للاشتباك بالقوات العراقية المدافعة عن الناصرية والسماوة وكربلاء والنجف وغيرها دونما حملة جوية أو تمهيد نيراني مكثف على مدى أيام أو أسابيع كعادة الحملات العسكرية الأمريكية التي أصبح سمة الرعب وأداة التحطيم اللازمة لعظام الخصم قبل ابتلاعه والوسيلة الناجعة للحفاظ على مستوى الحالة المعنوية المطلوبة لتقدم جنودها بالقدر الذي يناسب هيبة القوة العظمى.
إن مقارنة ذلك بالمعلومات المتسربة حول اتصالات جرت بين مسئولين في القيادة الأمريكية وبين ضباط من كبار الرتب العراقية عبر البريد الإلكتروني يجعل نظرية جر الأمريكيين إلى المعركة المباشرة دون حملة جوية مدمرة مسبقة أمر يمكن القول به وحينئذ يمكن الاعتزاز بمستوى الخداع الاستراتيجي العربي لولا انتكاسات الفصول اللاحقة.
3. وفي مجال الخداع التكتيكي ظهرت صور متنوعة على صعيد الإجراءات السلبية والإيجابية حيث ظهرت نماذج التطبيقات القتالية غير النمطية مثل استخدام الأفراد المقاتلين للملابس المدنية حتى إذا ما تأكدت المجاميع المقاتلة من إمكانية استخدام أقصى تأثير في العدو تحولت بسرعة إلى القتال المتلاحم وكذلك التظاهر بالاستسلام إلى حين اقتراب العدو إلى المدى المؤثر للأسلحة المباشرة ومن ثم الانقضاض بجميع الأسلحة المتاحة.
كما تأكدت الحاجة إلى القيام بالإجراءات الدفاعية السلبية مهما بلغ العدو تقدمه في مجال تقنية الفضاء والاستطلاع الجوي ومن ذلك الإخفاء والتمويه حيث استخدم العراقيون تقنية بدائية أفلحت في إخفاء بعض المعدات الهامة بعد تغطيتها بأغطية منسوجة من سعف النخيل وطلائه بالدبس والتراب وكذلك إشعال النيران واستخدام الدخان على نطاق واسع ووضع العواكس لبعثرت أشعة الليزر والتمثيل الهيكلي وغيرها.
4. ألمحت الولايات المتحدة الأمريكية غير مرة إلى إحتمال تزويد روسيا للعراق بأجهزة تشويش تؤثر على توجيه الصواريخ الطوافة (توماهوك) بعد ما اشتكت الدول المجاورة للعراق من سقوط تلك الصواريخ في أرضيها مثل المملكة العربية السعودية وإيران وتركيا وهو ما يؤكد وجود مثل هذه التقينة على الأقل لدى الدول المتقدمة سواء بالتشويش على الذبذبات بين الصاروخ والقمر الصناعي أو بإختلاق معالم أرضية مغايرة للواقع عبر الإيحاء الإلكتروني لتضليل الصواريخ المعتمدة على تقنية تصحيح المسار بواسطة المعالم الأرضية.
وعلى كل حال فإن مجرد احتمال وجود هذه التقنية سيفتح باب الأمل لما يمكن أن يخفف من حالة الإحباط التي تشعر بها جيوش العالم الثالث التي ترى نفسها عاجزة عن فعل أي شئ أمام الأجسام القادمة من أعماق البحار لتضرب أهدافها بدقة متناهية.
5. بالنظر إلى التفوق التقني والنيراني الهائل لقوات الدول الكبرى فإن المواجهة التقليدية بينها وبين دول نامية ذات تسليح يعتمد على عقود تخضع في أغلبها لشروط ورغبات الدول المصنعة هو مواجهة محسومة لصالح الأول، بل وبأقل الخسائر ولذلك تظهر الحاجة إلى استخدام وتطبيق أساليب حرب العصابات في جيوش تلك الدول وضرورة إجراء التدريبات المكثفة عليها وتحويل جزء من وحداتها النظامية عند الحاجة إلى مجاميع صغيرة خفيفة الحركة تملك أسلحة فعالة وتدريبا عاليا لتعمل على إرباك العدو وتعطيله بل والعمل خلف خطوط إمداده للتأثير عليها وإشغال احتياطاته في مواجهات مربكة ومكلفة للعدو.
6. لم يكن العراقيون وحدهم من ينتظر معركة بغداد ولم يكونوا وحدهم من يعتبرها المعركة الحاسمة (على الأقل عبر الحرب النفسية) بل المنتظر الحقيقي لمعركة بغداد هم الأمريكيون حيث هم على موعد مع عناصر قيادية في الحرس الجمهوري والحرس الخاص لإكمال تنفيذ المرحلة التالية من الصفقة، وهو ما يفسر تلك الهرولة التي مارسها الجيش الأمريكي في اندفاعه نحو بغداد تاركاً طرق إمداده تتعرض للتهديد وقواته تعاني من نقص الإمدادات نتيجة طول طرق الإمداد وعدم دفع مناطق إسناد متقدمة ذات قدرات عالية تفي بمتطلبات القوات الزاحفة مما اضطر القيادة الأمريكية إلى إجراء وقفة استراتيجية لمراجعة الخطط واستكمال التزود اللوجستي ومن ثم مواصلة التقدم إلى بغداد التي لم تخيب توقعاتهم ولم تنكث بالوعد حيث فتحت أبوابها على مصارعها للغزاة (المحررين) وذابت على أطرافها قوات الصفوة التي أعدت لانتحار الغزاة على أبواب بغداد.
وهنا لنا عبرة أخرى هي أن الولايات المتحدة الأمريكية وكنتيجة مستفادة من حربها في فيتنام ومن فشلها في التدخلات اللاحقة في إيران ولبنان والصومال أخذت على نفسها عهداً بأن لا تزج بقواتها في أراضي العدو إلا بعد أن تتأكد من وجود الأرضية المناسبة والتواطؤ المضمون كما حصل في أفغانستان والعراق أما المجتمعات المتماسكة شعوباً وقيادات فإنها أي أمريكا لا يمكن أن تغامر في الدخول معها في حرب غير مضمونة النتائج.
7. لم تكن استقالة (ريتشارد بيرل) صاحب نظرية الصدمة والرعب والصقر الليكودي في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) هي المؤشر الوحيد على فشل نظريته بل إن الصمود الذي سطرته أفواج اللواء (45) مشاة عراقي في أم قصر والذي لم يمض على احتلاله المواقع الدفاعية أكثر من (48) ساعة قبل بدء الهجوم، وصمود التشكيلات العراقية الأخرى في البصرة والناصرية وهي التي في نظر الكل بما فيهم القيادة العراقية أكثر من سيتأثر بنظرية الصدمة والرعب وأول ضحاياها هو المؤشر الحقيقي على سقوط النظرية حيث الأيام وواقع الحال أثبتت أن الحالة المعنوية الجهادية إذا ما تمكنت من نفوس المقاتلين فإن الكثير من الأسلحة والنظريات التي تعتمد على تأثير الخوف ستسقط بإذن الله..
وعندما جرت المقادير بتوقف الضلع الشمالي لنظرية الرعب في المجال البري نتيجة لرفض البرلمان التركي دخول القوات البرية الأمريكية عبر أراضيها والاكتفاء بفتح المجال الجوي فإن هذا القرار الذي ولولت له أمريكا وتمنت على الحكومة التركية تجاوزه بكل السبل هو ضربة حظ جنبت القوات الأمريكية خسائر ما كانت الحاجة تدعو لها ومواجهات ربما كانت أعنف مما واجهته في الجنوب دون أن تكون أكثر من عامل رفع لقائمة خسائر الأمريكيين.. ليس إلا..
المقال منقول من مجلة الدفاع السعوديه المسلحة
http://www.al-difaa.com/Detail.asp?InSectionID=86&InNewsItemID=130282
العميد الركن-
مطلق بن سالم الأزيمع
http://www.al-difaa.com/Images/al-difaa/132/p058_1_1.jpg
http://www.al-difaa.com/Images/al-difaa/132/p058_1_2.jpg
دارت رحى الحرب الثالثة مما سمي بحروب الخليج، وهي الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا على العراق، تلك الحروب التي جرت في فترة زمنية قياسية من عمر الأحداث وفي رقعة مكانية محدودة تحولت من حرب شبه منسية في فصلها الأول (حرب الخليج الأولى) إلى حرب استقطبت اهتمام العالم أجمع سياسياً وعسكرياً وإعلامياً في فصليها الثاني والثالث.
وهي إن كانت تبدو للوهلة الأولى تلقائية الأحداث وقدرية المواقف إلا أن المتمعن البصير في مشاهدها وسيناريوهات فصولها يخلص إلى أنها كتبت بإتقان وأخرجت بمهارة. وبالرغم من أن الحديث عنها ذو شجون سواء في الماضي أو الحاضر وربما في المستقبل إلا أن التوغل في مجاهل التحليل والاستغراق في فن التأويل والتهويل ليست في أكثر الأحوال إلا نكئاً للجروح وتجرعاً للمرارة ومن ذلك الإسهاب في البحث عن الأسباب والمسببات والتلذذ العربي بجلد الذات ثم الخروج بالسبع المعلقات على شماعة الأعداء المتربصين.
وسنتطرق في هذا العدد إلى بعض العبر التي يمكن أن تؤخذ من خلال نظرة تحليلية أولية لأحداث هذه الحرب على أن نؤجل ما يمكن قراءته من تداعياتها إلى عدد لاحق بإذن الله.
1. استخدمت الحرب النفسية في هذه المنازلة على نطاق واسع وبدأت قبل أن يبدأ القصف الجوي والمدفعي بوقت طويل وكانت الكفة لصالح الطرف المهاجم نظراً للآلة الإعلامية الضخمة التي يمتلكها والتميز الاحترافي.
لكن ما دار بين الطرفين من سجال في هذا المجال أوضح بجلاء أن استخدام هذا النوع من الأسلحة لا يخلو من بعض الأخطار التي قد تلحق الضرر بالمستخدم، فالمبالغة والتعجل كانتا سمتين بارزتين لكثير من الأنباء الرسمية التي صاحبت أحداث وفصول هذه الحرب ومن كلا الطرفين. فمصداقية الطرح على صعيد الحلفاء تضررت كثيراً بسبب الزعم المتكرر عن مقتل صدام حسين، ناهيك عن استسلام الفرقة (51) مشاة عراقية وانتفاضة البصرة والإعلان عن سقوط أم قصر لأكثر من ثلاث مرت متفاوتة.
ولم تكن المصداقية أفضل حالاً مع وزير الإعلام العراقي الذي أصبحت تصريحاته مثاراً لجدل عجيب اختلط بها التأييد والإعجاب والشفقة والسخرية.
2. وفي مجال الخداع الاستراتيجي ظن البعض منا خيراً بقدرة الأخوة العراقيين على الصمود أمام آلة الحرب الهائلة التي أرادت بهم سوءاً وأعدت لذلك كل مافي ترساناتها العسكرية التقليدية وطاقتها البشرية وقدراتها التخطيطية، ظننا خيراً بقدرة العراق أو على الأقل حفظ ماء الوجه حتى ولو كان ثم ذلك الماء الكثير من الدماء.
وفي اللحظة الأولى للحرب وما تلاها وقعت حادثتان كانتا ستظهران للعالم خداعاً عراقياً يستحق الوقوف أمامه والتأمل لولا تداعيات الأحداث اللاحقة ومارافقها من انتكاسات غطت على أي محاولة لإبراز الإيجابيات ودراستها.
أما الأولى فهي محاولة التأثير على ساعة (الصفر) وجر العدو إلى الدخول في الحرب في غير الساعة التي حددها وبالتالي القدرة على التأثير في مجرياتها تبعاً للتبعات المترتبة على التغيير المفاجئ لقرار البدء. وتحقق ذلك عبر إختلاق حالة تستدعي التصرف الفوري مثل إجراء الاجتماع المزعوم لرأس الهرم القيادي في العراق مع كبار القادة العسكريين قبل الحرب واتخاذ كافة الإجراءات الموحية بصدق وواقعية. بل وتسريب معلومات مضللة عنه إلى جهات استخبارية متعاونة مع العدو حتى إذا ما تم توجيه الضربة لهذا الهدف الخداعي فإن الفوائد ليس أقلها إرغام العدو على البدء في غير ساعة الصفر المحددة سلفاً وكذا فشله في تحقيق أهدافه المعلنة.. وبالفعل دخلت أمريكا الحرب في غير ساعة الصفر المحددة حتى إن البريطانيين فوجئوا بذلك ولم تحقق الضربة أي نتيجة تذكر.
وأما الثانية فهي التأثير على أحداث الحرب بما يقلل من تأثير عناصر قوتها التي تفقد بعض مميزاتها نتيجة الظرف الزماني والمكاني غير المناسب. فالقوات التي تدخل معركتها في غير المكان المرغوب لن تسير الأمور كما ترغب ولن تكون النتائج كما تحب، وكذا الحال عندما تكون التوقيتات اللاحقة لا تخدم فصولها القادمة. هذا هو ما ظهر للمراقب العسكري عندما اندفعت الفرق المدرعة وفرق المشاة الآلية الأمريكية للاشتباك بالقوات العراقية المدافعة عن الناصرية والسماوة وكربلاء والنجف وغيرها دونما حملة جوية أو تمهيد نيراني مكثف على مدى أيام أو أسابيع كعادة الحملات العسكرية الأمريكية التي أصبح سمة الرعب وأداة التحطيم اللازمة لعظام الخصم قبل ابتلاعه والوسيلة الناجعة للحفاظ على مستوى الحالة المعنوية المطلوبة لتقدم جنودها بالقدر الذي يناسب هيبة القوة العظمى.
إن مقارنة ذلك بالمعلومات المتسربة حول اتصالات جرت بين مسئولين في القيادة الأمريكية وبين ضباط من كبار الرتب العراقية عبر البريد الإلكتروني يجعل نظرية جر الأمريكيين إلى المعركة المباشرة دون حملة جوية مدمرة مسبقة أمر يمكن القول به وحينئذ يمكن الاعتزاز بمستوى الخداع الاستراتيجي العربي لولا انتكاسات الفصول اللاحقة.
3. وفي مجال الخداع التكتيكي ظهرت صور متنوعة على صعيد الإجراءات السلبية والإيجابية حيث ظهرت نماذج التطبيقات القتالية غير النمطية مثل استخدام الأفراد المقاتلين للملابس المدنية حتى إذا ما تأكدت المجاميع المقاتلة من إمكانية استخدام أقصى تأثير في العدو تحولت بسرعة إلى القتال المتلاحم وكذلك التظاهر بالاستسلام إلى حين اقتراب العدو إلى المدى المؤثر للأسلحة المباشرة ومن ثم الانقضاض بجميع الأسلحة المتاحة.
كما تأكدت الحاجة إلى القيام بالإجراءات الدفاعية السلبية مهما بلغ العدو تقدمه في مجال تقنية الفضاء والاستطلاع الجوي ومن ذلك الإخفاء والتمويه حيث استخدم العراقيون تقنية بدائية أفلحت في إخفاء بعض المعدات الهامة بعد تغطيتها بأغطية منسوجة من سعف النخيل وطلائه بالدبس والتراب وكذلك إشعال النيران واستخدام الدخان على نطاق واسع ووضع العواكس لبعثرت أشعة الليزر والتمثيل الهيكلي وغيرها.
4. ألمحت الولايات المتحدة الأمريكية غير مرة إلى إحتمال تزويد روسيا للعراق بأجهزة تشويش تؤثر على توجيه الصواريخ الطوافة (توماهوك) بعد ما اشتكت الدول المجاورة للعراق من سقوط تلك الصواريخ في أرضيها مثل المملكة العربية السعودية وإيران وتركيا وهو ما يؤكد وجود مثل هذه التقينة على الأقل لدى الدول المتقدمة سواء بالتشويش على الذبذبات بين الصاروخ والقمر الصناعي أو بإختلاق معالم أرضية مغايرة للواقع عبر الإيحاء الإلكتروني لتضليل الصواريخ المعتمدة على تقنية تصحيح المسار بواسطة المعالم الأرضية.
وعلى كل حال فإن مجرد احتمال وجود هذه التقنية سيفتح باب الأمل لما يمكن أن يخفف من حالة الإحباط التي تشعر بها جيوش العالم الثالث التي ترى نفسها عاجزة عن فعل أي شئ أمام الأجسام القادمة من أعماق البحار لتضرب أهدافها بدقة متناهية.
5. بالنظر إلى التفوق التقني والنيراني الهائل لقوات الدول الكبرى فإن المواجهة التقليدية بينها وبين دول نامية ذات تسليح يعتمد على عقود تخضع في أغلبها لشروط ورغبات الدول المصنعة هو مواجهة محسومة لصالح الأول، بل وبأقل الخسائر ولذلك تظهر الحاجة إلى استخدام وتطبيق أساليب حرب العصابات في جيوش تلك الدول وضرورة إجراء التدريبات المكثفة عليها وتحويل جزء من وحداتها النظامية عند الحاجة إلى مجاميع صغيرة خفيفة الحركة تملك أسلحة فعالة وتدريبا عاليا لتعمل على إرباك العدو وتعطيله بل والعمل خلف خطوط إمداده للتأثير عليها وإشغال احتياطاته في مواجهات مربكة ومكلفة للعدو.
6. لم يكن العراقيون وحدهم من ينتظر معركة بغداد ولم يكونوا وحدهم من يعتبرها المعركة الحاسمة (على الأقل عبر الحرب النفسية) بل المنتظر الحقيقي لمعركة بغداد هم الأمريكيون حيث هم على موعد مع عناصر قيادية في الحرس الجمهوري والحرس الخاص لإكمال تنفيذ المرحلة التالية من الصفقة، وهو ما يفسر تلك الهرولة التي مارسها الجيش الأمريكي في اندفاعه نحو بغداد تاركاً طرق إمداده تتعرض للتهديد وقواته تعاني من نقص الإمدادات نتيجة طول طرق الإمداد وعدم دفع مناطق إسناد متقدمة ذات قدرات عالية تفي بمتطلبات القوات الزاحفة مما اضطر القيادة الأمريكية إلى إجراء وقفة استراتيجية لمراجعة الخطط واستكمال التزود اللوجستي ومن ثم مواصلة التقدم إلى بغداد التي لم تخيب توقعاتهم ولم تنكث بالوعد حيث فتحت أبوابها على مصارعها للغزاة (المحررين) وذابت على أطرافها قوات الصفوة التي أعدت لانتحار الغزاة على أبواب بغداد.
وهنا لنا عبرة أخرى هي أن الولايات المتحدة الأمريكية وكنتيجة مستفادة من حربها في فيتنام ومن فشلها في التدخلات اللاحقة في إيران ولبنان والصومال أخذت على نفسها عهداً بأن لا تزج بقواتها في أراضي العدو إلا بعد أن تتأكد من وجود الأرضية المناسبة والتواطؤ المضمون كما حصل في أفغانستان والعراق أما المجتمعات المتماسكة شعوباً وقيادات فإنها أي أمريكا لا يمكن أن تغامر في الدخول معها في حرب غير مضمونة النتائج.
7. لم تكن استقالة (ريتشارد بيرل) صاحب نظرية الصدمة والرعب والصقر الليكودي في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) هي المؤشر الوحيد على فشل نظريته بل إن الصمود الذي سطرته أفواج اللواء (45) مشاة عراقي في أم قصر والذي لم يمض على احتلاله المواقع الدفاعية أكثر من (48) ساعة قبل بدء الهجوم، وصمود التشكيلات العراقية الأخرى في البصرة والناصرية وهي التي في نظر الكل بما فيهم القيادة العراقية أكثر من سيتأثر بنظرية الصدمة والرعب وأول ضحاياها هو المؤشر الحقيقي على سقوط النظرية حيث الأيام وواقع الحال أثبتت أن الحالة المعنوية الجهادية إذا ما تمكنت من نفوس المقاتلين فإن الكثير من الأسلحة والنظريات التي تعتمد على تأثير الخوف ستسقط بإذن الله..
وعندما جرت المقادير بتوقف الضلع الشمالي لنظرية الرعب في المجال البري نتيجة لرفض البرلمان التركي دخول القوات البرية الأمريكية عبر أراضيها والاكتفاء بفتح المجال الجوي فإن هذا القرار الذي ولولت له أمريكا وتمنت على الحكومة التركية تجاوزه بكل السبل هو ضربة حظ جنبت القوات الأمريكية خسائر ما كانت الحاجة تدعو لها ومواجهات ربما كانت أعنف مما واجهته في الجنوب دون أن تكون أكثر من عامل رفع لقائمة خسائر الأمريكيين.. ليس إلا..
المقال منقول من مجلة الدفاع السعوديه المسلحة
http://www.al-difaa.com/Detail.asp?InSectionID=86&InNewsItemID=130282